الأوراق الفيدرالية

ورقة رقم: 66
الكسندر هاملتون
Alexander Hamilton
8 مارس، 1788


إلى أهالي ولاية نيويورك:
إن مراجعة الاعتراضات الرئيسة التي ظهرت لدينا على المحكمة المقترحة، لمحاكمة الجنايات،1 من غير المحتمل أن تمحو، بقايا أي انطباعات غير حسنة قد توجد بخصوص هذه المسألة.
وأول هذه الاعتراضات هو أن الشرط المطروح للبحث يخول سلطات تشريعية وأخرى قضائية لنفس المجلس، وذلك إخلال بالبديهة المهمة والثابتة الأساس التي تدعو إلى الفصل ما بين الدوائر المختلفة في السلطة. وقد تم بحث المعنى الحقيقي لهذه البديهية ومناقشته وتأكيده في موضع آخر، حيث بينا أنه يتفق تماماً مع مزج جزئي تقاطعي ما بين الدوائر لأغراض خاصة، مبقياً إياها جميعاً بشكل أساسي متمايزة وغير متصلة ببعضها. وليس هذا المزج الجزئي في بعض الحالات، مناسباً فحسب، بل إنه ضروري للحماية المتبادلة للمشاركين في الحكم الكثيرين، الواحد منهم ضد الآخر. وحق الرفض المطلق في يد رئيس التنفيذ لما يطرحه المجلس التشريعي شيء مقبول، لدى أقدر الخبراء في علم السياسة، بصفته حاجزاً لا غناء عنه ضد تجاوز السلطة التشريعية على رئيس التنفيذ. ولربما أمكن، بمنطق لا يقل قوة عما سبق، تأييد أن السلطات ذات العلاقة بالجنايات هي، كما سبق وبّينا، علاقة حميمة، لكونها كابحاً أساسياً في يد ذلك المجلس على تجاوزات رئيس التنفيذ. إن توزيع المهمة بين فرعي التشريع وجعل حق الاتهام لأحدهما، وحق إصدار الحكم للآخر، يتجنب متاعب جعل الأشخاص ذاتهم هم موجهي الاتهام والقضاة، كما يُبعد خطر التعسف، جرّاء تفوق روح الانقسام عند أي من ذينك الفرعين. وحيث إن موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ ضرورية للإدانة فإن ضمان النجاة من تأثير هذه الملابسة الإضافية سيكون كاملاً كما يشاء ذلك الضمان.
ومن الغريب أن نلاحظ شدة العنف الذي يهاجم به هذا الجزء من الخطة، انطلاقاً من المبدأ الذي أشرنا إليه، وعلى يدي أشخاص يعترفون بإعجابهم دون استثناء، بدستور هذه الولاية؛ مع أنه يجعل مجلس الشيوخ مع مستشار وقضاة المحكمة العليا، لا محكمة للجنايات فحسب، بل يجعلهم أعلى هيئة قضائية في الولاية في جميع القضايا المدنية، وقضايا الإجرام. إن النسبة العددية بين المستشار والقضاة، إلى عدد الشيوخ أمر تافه لا اعتبار له، حتى ليمكن القول بصدق أن السلطة القضائية في ولاية نيويورك، تستقر آخر الأمر، في يدي مجلس شيوخ تلك الولاية. فلو كانت خطة المؤتمر بهذا الخصوص متهمة بأنها جانبت البديهية المشهورة التي كثيراً ما أوردناها، والتي يبدو أن استيعاب ما ترمي إليه أمر غير شائع – لكان ما أمر مذاق دستور نيويورك في تلك الحال!!
ذاك هو الاعتراض الأول، أما الاعتراض الثاني على مجلس الشيوخ بصفته محكمة للجنايات فهو أن المجلس بذلك يسهم في تركيم غير محق للسلطة في يديه، ويميل لأن يعطي للحكومة مظهراً أرستقراطيا أكثر مما ينبغي.2 ومن الملاحظ أن على مجلس الشيوخ أن يحصل على سلطة متفق عليها مع رئيس التنفيذ عند صياغة الاتفاقيات، وفي تعيين الموظفين في المناصب. فلو جمعنا المعترضين على هذه الاشتراطات إلى المعترضين على جميع الأمور الحاسمة في قضايا الجنايات – لأدى ذلك إلى سيادة حاسمة لنفوذ مجلس الشيوخ. ومن الصعب أن يجد المرء جواباً مقتضباً على اعتراض مقتضب إلى هذا الحد. أين هو المقياس أو المعيار الذي نستطيع الرجوع إليه لتقدير ما سوف يهب مجلس الشيوخ أكثر مما ينبغي، أو أقل مما ينبغي، أو القدر المناسب تماماً، من النفوذ؟ أن يكون أكثر أماناً، وأكثر بساطة أن نلغي حسابات غامضة وغير أكيدة من هذا القبيل، وأن نناقش كل سلطة بمفردها، ثم نقرر بناء على مبادئ عامة أنّى يجب أن تستقر تلك السلطة بقدر أعظم من الفائدة وأقل مضايقة ممكنة؟
إذا سلكنا هذا الطريق، فسيفضي بنا إلى نتيجة أكثر قبولاً للفهم إن لم يفضي إلى نتيجة هي أثبت وأكثر تأكيداً. إن إطراح سلطة عقد المعاهدات والتي تم الحصول عليها في خطة المؤتمر، ستبدو عندئذ، إذا لم أخطئ، مبررة تماماً على أساس الاعتبار الذي أوردناه في النقطة السابقة. وكذلك على أساس اعتبارات أخرى ستندرج تحت العنوان التالي في تساؤلاتنا. إن ضرورة ولزوم ربط مجلس الشيوخ مع السلطة التنفيذية في حق تعيين الموظفين، قضية أعتقد أنها ستوضع تحت ضوء مرض ومقنع في الأبحاث المستفيضة المندرجة تحت العنوان نفسه. وأنا أخدع نفسي بالقول: لا بد أن الملاحظات التي أوردتها في ورقتي الأخيرة لم تلق قبولاً، ولا نجحت في إثبات أنه لم يكن أمراً سهلاً، وإن كان ممكناً، أن نجد وعاء أصلح لسلطة إصدار العقوبات من ذلك الوعاء الذي تم اختياره. وإذا كانت هذه هي الحقيقة فعلاً فإن الخطر الافتراضي في أن وزن مجلس الشيوخ أعظم مما ينبغي – يجب إلغائه من تعليلاتنا كلها.
غير أن هذه الافتراضية، وفي صورتها هذه – قد تم رفضها في الملاحظات التي أخذنا بها عند بحث مدة الخدمة المحددة لأعضاء مجلس الشيوخ. فقد بينت تلك الملاحظات، وعلى مسئولية الأمثلة التاريخية ومنطق الأشياء نفسها أن الفرع الأكثر شعبية من فروع الحكومة والذي يسهم في إبداع النظام الجمهوري، لكونه الفرع المفضل في نظر المواطنين، سوف يكون نداً كفؤاً، إن لم يكن أكثر من ند، لأي فرع آخر من فروع الحكومة.
وبصورة مستقلة عن هذا المبدأ الناشط والفعال، في ضمان التوازن في مجلس الممثلين، وفرت خطة المؤتمر لهذا الغرض عدة إجراءات مهمة ترجح السلطات الإضافية التي سوف تخول إلى مجلس الشيوخ. فالامتياز الشامل بخصوص إصدار اللوائح المالية سوف يتبع لمجلس الممثلين. والمجلس نفسه سوف يملك الحق الأوحد لوضع قانون العقوبات؛ أفلا يعدل هذا وبقدر كاف حق تقرير تلك العقوبات؟ إن المجلس ذاته سيكون الحكم الأعلى في جميع انتخابات الرئاسة والتي لا تضم أصوات الأكثرية من كامل أعداد الناخبين؛ وهي قضية لا يشك أحد في أنها سوف تحصل أحياناً، إن لم تقع بصورة متكررة. إن الإمكان الدائم للكون حكماً لا بد أن يكون مصدراً لإغناء نفوذ ذلك المجلس. وكلما تدبرنا في الأمر زادت أهمية السلطة النهائية هذه، مع أنها طارئة، في حسم المنافسات بين أكثر المواطنين لمعاناً وبروزاً في الإتحاد للحصول على المنصب الأول فيه. ولربما أنه ليس من التهور أن يتنبأ المرء أنه سوف يتبين أن تلك السلطة ذات النفوذ البسيط، سوف ترجح على جميع الوظائف الأخرى الفريدة لمجلس الشيوخ.
والاعتراض الثالث على مجلس الشيوخ كمحكمة للعقوبات ينبع من توكيل أعضائه في تعيين المناصب. فالكل يتصور أن الأعضاء سيكونون قضاة ينكبون على التفحص لتصرفات الأشخاص الذين ساهم المجلس في وضعهم في وظائفهم. ومبدأ هذا الاعتراض يدين ممارسة نشاهدها في جميع حكومات الولايات، إن لم نقل في جميع الحكومات التي نعرفها: وأعني بذلك جعل من يحتلون المناصب يعتمدون في أثناء فراغهم من العمل على رضا أولئك الذين يعينونهم. وبالقدر نفسه من الضجة والصخب يمكن الإدعاء في هذه الحالة أن محسوبية الشيوخ سوف تكون دائماً ملاذاً يتقى فيه سوء سلوك الموظف. لكن هذه الممارسة، نقيضاً لهذا المبدأ، ترتكز إلى فرضية كون الذين يقومون بالتعيين مسئولين عن صلاح وكفاءة الأشخاص الذين وقع اختيارهم عليهم، وكون الفائدة التي يحصلون عليها من إدارة محترمة وناضجة للشئون العامة، سوف تخلق فيهم ميلاً لأن يعزلوا بعض أفراد تلك الإدارة الذين أثبتت تصرفاتهم أنهم غير أهل للثقة التي وضعت فيهم. ومع أن الحقائق ربما لا تتجاوب في جميع الأوقات مع هذه الفرضية، فإنها إذا تم أن تجاوبت، دمرت افتراض أن مجلس الشيوخ الذي يوافق على اختيار الرئيس لا بد وأن يستشعر تحيزاً تجاه الهدف من اختياره بدرجة قوية تكفي لأن تعمي الشيوخ عن إثباتات اقتراف جرم غير عادي إلى درجة دفعت ممثلي الأمة لأن يغدوا هم الذين يوجهون الاتهام في ذلك الجرم.
وإذا لزمت أية مناقشة أخرى لتشهد على عدم احتمال وجود مثل هذا التحيز، فإنه ينبغي العثور عليها في توكيل مجلس الشيوخ بمسألة التعيينات. وسيكون من وظيفة الرئيس أن يقوم بالتسمية، ثم بتنسيب وموافقة من مجلس الشيوخ. ولن يكون هناك بطبيعة الحال، أي عناء في الاختيار من جانب مجلس الشيوخ فبمقدور أعضائه أن يرفضوا اختياراً واحداً طرحه (الرئيس) ويجبروه أن يقدم بديلاً عنه. لكنهم ليس بمقدورهم هم أن يختاروا – إن بإمكانهم أن يقرّوا أو يرفضوا الاختيار الذي أجراه هو. بل يستطيعون أيضاً أن يفكروا في تفضيل شخص آخر في نفس اللحظة التي يبدون موافقتهم فيها على الشخص المقترح. وذلك لأنه لن تكون هناك أرضية إيجابية للاعتراض عليه؛ كما لا يستطيعون أن يتأكدوا إذا امتنعوا عن إعطاء موافقتهم، أن التسمية التالية ستقع على من يفضلونه هم أم على شخص آخر يقدّرون أنه أجدر من ذاك الذي رفضوه. وهكذا فمن العسير أن يحصل أن تحسّ أكثرية أعضاء مجلس الشيوخ بأي قدر من الرضا عن الهدف من التعيين أكثر مما توحي به مظاهر الأهلية أو البراهين على عدم وجودها.
والاعتراض الرابع على مجلس الشيوخ من حيث قدرته أن يكون محكمة للجنايات ينبع من جمع المجلس مع الرئيس في سلطة عقد معاهدات. وقد سبق أن قيل أن هذا الجمع يجعل من الشيوخ قضاة على أنفسهم في كل حالة يحصل فيها فساد أو خيانة لتلك الأمانة. فبعد انضمامهم إلى الرئيس في خيانة مصالح الأمة في اتفاقية مدمرة، سيتساءل الناس: ما الفائدة من جعلهم يعانون العقوبة التي يستحقونها إذا كان لهم بأنفسهم أن يقرروا ويحكموا في الاتهام الموجه إليهم جرّاء الخيانة التي أوقعوا جريمتها؟
وقد تمت الإحاطة بهذا الاعتراض بحماسة أكثر، وبيان منطقي أكبر من أي بيان ظهر ضد هذا القسم من الخطة؛ ومع ذلك فانا أشعر بأنني قد خدعت حول ما إذا كان الاعتراض يستند إلى أساس خاطئ.
إن الضمان الذي ينشده الدستور في الأصل، ضد الفساد والخيانة، عند صياغة الاتفاقيات ضمان يجب أن يتم التحري عنه بصدد عدد الذين يعقدونها وفي تصرفاتهم. فالوكالة المشتركة بين أعلى موظف في الاتحاد وبين ثلثي أعضاء هيئة تم اختيارها بالحكمة الجماعية المتوفرة عند مجالس التشريع في عدة ولايات – هي التي يراد منها أن تكون رهاناً على إخلاص المجالس الوطنية في هذه النقطة على الخصوص. ولربما أن المؤتمر، وبحق معه، قد فكر في معاقبة الرئيس لانحرافه عن تعليمات مجلس الشيوخ، أو لنقص النزاهة في سلوكه في المفاوضات المكلف بها؛ كذلك ربما ارتأى أعضاء المؤتمر أن بمقدورهم إنزال العقوبة بنفر معدود من النافذين في مجلس الشيوخ الذين عهروا نفوذهم في ذلك المجلس وجعلوه آلة مستأجرة للإفساد الأجنبي: لكنهم غير قادرين، بنفس المستوى أو أكثر منه، على التفكير في توبيخ ومعاقبة ثلثي الشيوخ الذين وافقوا على معاهدة سيئة، أو في معاقبة أكثرية ذلك الفرع أو الفرع الآخر من مجلس التشريع الوطني الذي وافق على قانون، أو قوانين، ضارة أو غير دستورية، وهو مبدأ لم تقبل به أية حكومة. كيف، في الحقيقة يمكن لأكثرية في مجلس الممثلين أن توبخ نفسها؟؟ من الواضح أن هذا ليس أفضل من أن يحاكم ثلثا مجلس الشيوخ أنفسهم. ومع هذا، فأي سبب هناك يسمح لأكثرية مجلس الممثلين أن تضحي بمصالح المجتمع من خلال قانون طغياني وظالم يضعه المجلس، ومع ذلك تظل بمنجاة من العقوبة بفعل الحصانة، ولا يسمح لأكثر من ثلثي مجلس الشيوخ أن يضحوا بالمصالح نفسها في اتفاقية غير منصفة مع دول أجنبية؟ إن الصحيح في جميع مثل تلك الحالات أن من الضروري، للحرية، وللاستقلال الضروري، في مداولات المجلس – أن يكون أعضاؤه معفين من المعاقبة على أعمال قاموا بها بصفتهم الجماعية؛ وأن يرتكز أمن المجتمع على رعاية تطمئن إلى ثقة في الأيدي المناسبة لأن ترعى مصالحه وتنفذها بكل إخلاص، كما تجعل من الصعب على أعضاء المجلس قدر الإمكان أن يتضافروا في أية مصلحة مخالفة لمصلحة الخير العام.
أما فيما يتعلق بسوء تصرف الرئيس في قلب التعليمات أو الالتفاف حول وجهات نظر مجلس الشيوخ فلا حاجة بنا لأن نخشى انعدام الميل لدى أعضاء المجلس للمعاقبة على سوء استخدام ثقة الأعضاء، أو الإخلال بسلطتهم الخاصة. وهكذا لنا أن نطمئن إلى عزتهم إن لم نطمئن إلى نزاهة نفوسهم. وأما فيما يتعلق بفساد الأعضاء البارزين والذين ربما خدعت فنونهم ونفوذهم الأكثرية فقبلت سن قوانين منفرة للمجتمع، فحين تتوفر الإثباتات التي تقنع بوجود ذلك الفساد، فإن النزعة العادية في الطبيعة البشرية تحذرنا من أن نستنتج أنه لن يكون هناك، أي عيب في أن يميل المجلس لتحويل الغضب الجماهيري عنهم أنفسهم إلى تضحية جاهزة لمن صنعوا ذلك التدبير غير الناجح بل المشين.
بوبليوس

_______________________
- الأوراق الفيدالية/الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 475-481.
1- الجنايات هنا هي تلك التي يرتكبها أحد رجال الدولة عند تقصيره في تقديم الخدمات التي أوكلها له الدستور أو الشعب الذي اختاره للقيام بهذه المهام. والكلمة المستعملة هنا هي Impeachment أي محاكمة أحد رجال الدولة المتهم بالخيانة. (المراجع).
2- في ولاية نيوجرزي أيضاً، تكون السلطة القضائية النهائية في فرع المجلس التشريعي. أما في نيوهامشير، ومساشوستس، وبنسلفانيا، وكارولينا الجنوبية فإن فرعاً واحداً من المجلس التشريعي هو المحكمة المختصة بالنظر في الجرائم.

العودة للصفحة الرئيسية